ابن عجيبة
24
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ، فإذا تعلق باللّه ، واضطر إليه اضطرار الظمآن إلى الماء طهّره اللّه وزكاه ، إما بلا سبب ، أو بأن يلقيه إلى شيخ كامل ، يربيه ويهذبه بإذن اللّه ، وهذا هو الكثير ، والكل منه وإليه . قال الورتجبي قوله تعالى : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ . . إلخ : بيّن أن تطهير العباد من الذنوب لا يكون إلا بفضله السابق وعنايته الأزلية ، كيف يزكى العلل ما يكون عللا ، فالمعلول لا يطهّر ، والمعلول أفعال الحدثان على كل صنف ، ولطف القديم له استحقاق ذهاب العلل بوصوله . قال السياري : قال اللّه : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، ولم يقل : لولا عبادتكم وصلاتكم وجهادكم وحسن قيامكم بأمر اللّه ما نجا منكم أحد ؛ ليعلم أن العبادات ، وإن كثرت ، فإنها من نتائج الفضل . ه . قال في الحاشية : وظهر لي أن الآية مقدمة لما ندب إليه الصدّيق بقوله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ، ففيه إشارة إلى أن فضله وزكاته فضل من اللّه عليه ، وعناية سابقة ، وهي سبب حفظه وتحليه بخلع كوامل الأوصاف ، فليشهد ذلك ، ولا يأتل على من لم يجد ذلك ، حتى وقع فيما وقع من القذف ، بل يعذره ، ويرى منّة اللّه عليه في كونه نزّهه بعنايته من الوقوع في مثل ذلك ، مع كون المحل قابلا ، ولكن اللّه خصّصه . ه . قال الورتجبي على قوله : وَلا يَأْتَلِ . . إلخ : في الآية بيان وتأديب اللّه للشيوخ والأكابر ألّا يهجروا صاحب العثرات والزلات ، من المريدين ، ويتخلقوا بخلق اللّه ، حيث يغفر الذنوب العظام ولا يبالي ، وأعلمهم ألّا يكفّوا أعطافهم عنهم . ثم قال : فإنّ من له استعداد لا يحتجب بعوارض البشريّة عن أحكام الطّريقة أبدا . ه . ثم ذكر وبال القاذفين لعائشة - رضى اللّه عنها - أو لغيرها ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 23 إلى 25 ] إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 23 ) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ( 25 ) قلت : « يوم تشهد » : ظرف للاستقرار ، في « لهم » ، أو : معمول لا ذكر . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ ؛ يقذفون الْمُحْصَناتِ ؛ العفائف مما رمين به من الفاحشة ، الْغافِلاتِ عنها على الإطلاق ، بحيث لم يخطر ببالهن شئ منها ولا من مقدماتها ، أو السليمات